القرطبي
215
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
البعد ، فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه . ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق الصائح ، والأصنام بالمنعوق به . والنعيق : زجر الغنم والصياح بها ، يقال : نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعاقا ، أي صاح بها وزجرها . قال الأخطل : انعق بضأنك يا جرير فإنما * منتك نفسك في الخلاء ضلالا قال القتبي : لم يكن جرير راعى ضأن ، وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعى الضأن ، وجرير منهم ، فهو في جهلهم . والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون : " أجهل من راعى ضأن " . قال القتبي : ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبا ، غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم . والنداء للبعيد ، والدعاء للقريب ، ولذلك قيل للاذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد . وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر . ثم شبه تعالى الكافرين بأنهم صم بكم عمى . وقد تقدم في أول ( 1 ) السورة . قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا من طيبت ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ( 172 ) . هذا تأكيد للامر الأول ، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا . والمراد بالاكل الانتفاع من جميع الوجوه . وقيل : هو الاكل المعتاد . وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم " وقال : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " ثم ذكر ( 2 ) الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام [ ومشربه حرام ] وملبسه حرام [ وغذي بالحرام ( 3 ) ] فأنى يستجاب لذلك ) . " واشكروا لله إن كنتم " إياه تعبدون " تقدم معنى الشكر ( 4 ) فلا معنى للإعادة .
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 214 طبعة ثانية . ( 2 ) هذه الجملة من كلام الراوي ، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم . و " الرجل " بالرفع مبتدأ ، مذكور على الحكاية من لفظ الرسول عليه السلام . ويجوز أن ينصب على أنه مفعول " ذكر " . ( 3 ) الزيادة عن صحيح مسلم . ( 4 ) تراجع المسألة الثالثة وما بعدها ج 1 ص 397 طبعة ثانية .