القرطبي
216
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ( 173 ) . فيه أربع وثلاثون مسألة ( 1 ) : الأولى - قوله تعالى : " إنما حرم عليم الميتة " إنما " كلمة موضوعة للحصر ، تتضمن النفي والاثبات ، فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفى ما عداه ، وقد حصرت ها هنا التحريم ، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " فأفادت الإباحة على الاطلاق ، ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة " إنما " الحاصرة ، فاقتضى ذلك الايعاب للقسمين ، فلا محرم يخرج عن هذه الآية ، وهي مدنية ، وأكدها بالآية الأخرى التي روى أنها نزلت بعرفة : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " إلى آخرها ، فاستوفى البيان أولا وآخرا ، قال ابن العربي . وسيأتي الكلام في تلك في " الانعام ( 2 ) " إن شاء الله تعالى . الثانية - " الميتة " نصب ب " حرم " ، و " ما " كافة . ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي ، منفصلة في الخط ، وترفع " الميتة والدم ولحم الخنزير " على خبر " إن " وهي قراءة ابن أبي عبلة . وفي " حرم " ضمير يعود على الذي ، ونظيره قوله تعالى : " إنما صنعوا كيد ساحر ( 3 ) " . وقرأ أبو جعفر " حرم " بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء بعدها ، إما على ما لم يسم فاعله ، وإما على خبر إن . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع أيضا " الميتة " بالتشديد . الطبري : وقال جماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف في ميت ، وميت لغتان . وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه ، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه " ميت " بالتخفيف ، دليله قوله تعالى : " إنك ميت وإنهم ميتون ( 4 ) " . وقال الشاعر : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الاحياء
--> ( 1 ) اضطربت جميع نسخ الأصل في ذكر هذه المسائل ، فبعضها أسقط الثانية ، وأخرى " الحادية والعشرين " . أخرى " الرابعة والعشرين " . ( 2 ) راجع ج 7 ص 115 . ( 3 ) راجع ج 11 ص 223 . ( 4 ) راجع ج 15 ص 254 .