القرطبي

187

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : " يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " قال : ( دواب الأرض ) . أخرجه ابن ماجة عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي المنهال عن زاذان عن البراء ، إسناد حسن . فإن قيل : كيف جمع من لا يعقل جمع من يعقل ؟ . قيل : لأنه أسند إليهم فعل من يعقل ، كما قال : " رأيتهم لي ساجدين ( 1 ) " ولم يقل ساجدات ، وقد قال : " لم شهدتم علينا ( 2 ) " ، وقال : " وتراهم ينظرون إليك ( 3 ) " ، ومثله كثير ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . وقال البراء بن عازب وابن عباس : " اللاعنون " كل المخلوقات ما عدا الثقلين : الجن والإنس ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين ولعنه كل سامع ) . وقال ابن مسعود والسدي : ( هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت فيه أهلا لذلك ، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلا فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى ، فهو قوله : " ويلعنهم اللاعنون " فمن مات منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود ) . قوله تعالى : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ( 160 ) . قوله تعالى : " إلا الذين تابوا " استثنى تعالى التائبين الصالحين لاعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم . ولا يكفي في التوبة عند علمائنا قول القائل : قد تبت ، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأول ، فإن كان مرتدا رجع إلى الاسلام مظهرا شرائعه ، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح ، وجانب أهل الفساد والأحوال التي كان عليها ، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الاسلام ، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه . وسيأتي بيان التوبة وأحكامها في " النساء ( 4 ) " إن شاء الله تعالى . وقال بعض العلماء في قوله :

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 122 . ( 2 ) راجع ج 15 ص 350 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 344 . ( 4 ) راجع ج 5 ص 91 .