القرطبي
186
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فإن قيل : إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر بهم الخبر . قلنا : هذا غلط ، لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه ، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان فلا يكون خبرهم موجبا للعلم ، والله تعالى أعلم . الرابعة - لما قال : " من البينات والهدى " دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه ، لا سيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان . وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الاخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم . أخرجه البخاري . قال أبو عبد الله ( 1 ) : البلعوم مجرى الطعام . قال علماؤنا : وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى ، والله تعالى أعلم . الخامسة - قوله تعالى : " من بعد ما بيناه " الكناية في " بيناه " ترجع إلى ما أنزل من البينات والهدى . والكتاب : اسم جنس ، فالمراد جميع الكتب المنزلة . السادسة - قوله تعالى : " أولئك يلعنهم الله " أي يتبرأ منهم ويبعد هم من ثوابه ويقول لهم : عليكم لعنتي ، كما قال للعين : " وإن عليك لعنتي " . وأصل اللعن في اللغة الابعاد والطرد ، وقد تقدم ( 2 ) . السابعة - قوله تعالى : " ويلعنهم اللاعنون " قال قتادة والربيع : المراد ب " اللاعنون " الملائكة والمؤمنون . قال ابن عطية : وهذا واضح جار على مقتضى الكلام . وقال مجاهد وعكرمة : هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم . قال الزجاج : والصواب قول من قال : " اللاعنون " الملائكة والمؤمنون ، فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد من ذينك شيئا .
--> ( 1 ) أبو عبد الله : كنية البخاري رضي الله عنه . ( 2 ) يراجع ص 25 من هذا الجزء .