القرطبي
179
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
نطوف بالصفا والمروة ؟ فأنزل الله عز وجل : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " الآية . قال أبو بكر : فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما : في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة ، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الاسلام ، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت " . وروى الترمذي عن عاصم بن سليمان الأحول قال : ( سألت أنس بن مالك ( 1 ) عن الصفا والمروة فقال : كانا من شعائر الجاهلية ، فلما كان الاسلام أمسكنا عنهما ، فأنزل الله عز وجل : " إن الصفا والمروة بن شعائر الله قمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " قال : هما تطوع ، " ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) . قال : هذا حديث حسن صحيح " . خرجه البخاري أيضا . وعن ابن عباس قال : كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل كله بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة ، فلما ظهر الاسلام قال المسلمون : يا رسول الله ، لا نطوف بين الصفا والمروة فإنهما شرك ، فنزلت . وقال الشعبي : كان على الصفا في الجاهلية صنم يسمى " إسافا " وعلى المروة صنم يسمى " نائلة " فكانوا يمسحونهما إذا طافوا ، فامتنع المسلمون من الطواف بينهما من أجل ذلك ، فنزلت الآية . الثانية - أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس ، وهو هنا جبل بمكة معروف ، وكذلك المروة جبل أيضا ، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف . وذكر الصفا لان آدم المصطفى صلى الله عليه وسلم وقف عليه فسمي به ، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة ، فأنث لذلك ، والله أعلم . وقال الشعبي : كان على الصفا صنم يسمى " إسافا " وعلى المروة صنم يدعى " نائلة " فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر ، وهذا حسن ، لان الأحاديث المذكورة تدل على هذا المعنى . وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا ، حتى رفع الله الحرج في ذلك . وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين
--> ( 1 ) كذا في الأصول وصحيح البخاري وتفسير الطبري . والذي في صحيح الترمذي : " أنس بن سيرين . . . " . وهو مولى أنس بن مالك وممن روى عنه .