القرطبي
296
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : إن بطش ربك لشديد ( 12 ) إنه هو يبدئ ويعيد ( 13 ) وهو الغفور الودود ( 14 ) ذو العرش المجيد ( 15 ) فعال لما يريد ( 16 ) قوله تعالى : ( إن بطش ربك لشديد ) أي أخذه الجبابرة والظلمة ، كقوله جل ثناؤه : " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، إن أخذه أليم شديد " [ هود : 102 ] . وقد تقدم ( 1 ) . قال المبرد : " إن بطش ربك " جواب القسم . المعنى : والسماء ذات البروج إن بطش ربك ، وما بينهما معترض مؤكد للقسم . وكذلك قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول : إن القسم واقع عما ذكر صفته بالشدة . ( إنه يبدئ ويعيد ) يعني الخلق - عن أكثر العلماء - يخلقهم ابتداء ، ثم يعيدهم عند البعث ، وروى عكرمة قال : عجب الكفار من إحياء الله جل ثناؤه الأموات ، وقال ابن عباس : يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ، ثم يعيده عليهم في الآخرة . وهذا اختيار الطبري . ( وهو الغفور ) أي الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها . ( الودود ) أي المحب لأوليائه . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : كما يود أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة . وعنه أيضا " الودود " أي المتودد إلى أوليائه بالمغفرة ، وقال مجاهد الواد لأوليائه ، فعول بمعنى فاعل . وقال ابن زيد : الرحيم ، وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له ، وأنشد قول الشاعر : وأركب في الروع عريانة * ذلول الجناح لقاحا ودودا أي لا ولد لها تحن إليه ، ويكون معنى الآية : إنه يغفر لعباده وليس له ولد يغفر لهم من أجله ، ليكون بالمغفرة متفضلا من غير جزاء . وقيل : الودود بمعنى المودود ، كركوب وحلوب ، أي يوده عباده الصالحون ويحبونه . ( ذو العرش المجيد ) قرأ الكوفيون إلا عاصما " المجيد " بالخفض ، نعتا للعرش . وقيل : ل " - ربك " ، أي إن بطش ربك المجيد لشديد ،
--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 95