القرطبي
224
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( فإذا جاءت الصاخة ) لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد ، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة ، وبالانفاق مما أمتن به عليهم . والصاخة : الصيحة التي تكون عنها القيامة ، وهي النفخة الثانية ، تصخ الاسماع : أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للاحياء . وذكر ناس من المفسرين قالوا : تصيخ لها الاسماع ، من قولك : أصاخ إلى كذا : أي استمع إليه ، ومنه الحديث : [ ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة إلا الجن والإنس ] . وقال الشاعر : يصيخ للنبأة أسماعه * إصاخة المنشد للمنشد قال بعض العلماء : وهذا يؤخذ على جهة التسليم للقدماء ، فأما اللغة فمقتضاها القول الأول ، قال الخليل : الصاخة : صيحة تصخ الآذان ( صخا ) ؟ أي تصمها بشدة وقعتها . وأصل الكلمة في اللغة : الصك الشديد . وقيل : هي مأخوذة من صخه بالحجر : إذا صكه قال الراجز : يا جارتي هل لك أن تجالدي * جلادة كالصك بالجلامد ومن هذا الباب قول العرب : صختهم الصاخة وباتتهم البائتة ، وهي الداهية . الطبري : وأحسبه من صخ فلان فلانا : إذا أصماه . قال ابن العربي ( 1 ) : الصاخة التي تورث الصمم ، وإنها لمسمعة ، وهذا من بديع الفصاحة ، حتى لقد قال بعض حديثي الأسنان حديثي الأزمان : * أصم بك ، الناعي وإن كان أسمعا * وقال آخر : أضمني سرهم أيام فرقتهم * فهل سمعتم بسر يورث الصمما لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا ، وتسمع أمور الآخرة . قوله تعالى : ( يوم يفر المرء من أخيه ) أي يهرب ، أي تجئ الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه ، أي من موالاة أخيه ومكالمته ، لأنه لا يتفرغ لذلك ، لاشتغاله بنفسه ، كما قال بعده : " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " أي يشغله عن غيره . وقيل : إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه ، لما بينهم من التبعات . وقيل : لئلا يروا ما هو
--> ( 1 ) لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه ( أحكام القرآن ) .