القرطبي
225
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه من الشدة . وقيل : لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا ، كما قال : " يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا " [ الدخان : 41 ] . وقال عبد الله بن طاهر الأبهري : يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم ، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه ، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى . ( وصاحبته ) أي زوجته . ( وبنيه ) أي أولاده . وذكر الضحاك عن ابن عباس قال : يفر قابيل من أخيه هابيل ، ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه ، وإبراهيم عليه السلام من أبيه ، ونوح عليه السلام من ابنه ، ولوط من امرأته ، وآدم من سوأة بنيه . وقال الحسن : أول من يفر يوم القيامة من ، أبيه : إبراهيم ، وأول من يفر من ابنه نوح ، وأول من يفر من امرأته لوط . قال : فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ . ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) . في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : [ يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ] قلت ، يا رسول الله ! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : [ يا عائشة ، الامر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ] . خرجه الترمذي عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ يحشرون حفاة عراة غرلا ] فقالت امرأة : أينظر بعضنا ، أو يرى بعضنا عورة بعض ؟ قال : [ يا فلانة ] " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " . قال : حديث حسن صحيح . وقراءة العامة بالغين المعجمة ، أي حال يشغله عن الأقرباء . وقرأ ابن محيصن وحميد " يعنيه " بفتح الياء ، وعين غير معجمة ، أي يعنيه أمره . وقال القتبي : يعنيه : يصرفه ويصده عن قرابته ، ومنه يقال : أعن عني وجهك : أي أصرفه وأعن عن السفيه ، قال خفاف : سيعنيك حرب بني مالك * عن الفحش والجهل في المحفل قوله تعالى : ( وجوه يومئذ مسفرة ) : أي مشرقة مضيئة ، قد علمت مالها من الفوز والنعيم ، وهي وجوه المؤمنين . " ضاحكة " أي مسرورة فرحة . " مستبشرة " : أي بما