القرطبي

202

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لما بعث الله موسى إلى فرعون قال له : " أذهب إلى فرعون " إلى قوله " وأهديك إلى ربك فتخشى " ولن يفعل ، فقال : يا رب ، وكيف أذهب إليه وقد علمت أنه لا يفعل ؟ فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرتك به ، فإن في السماء أثنى عشر ألف ملك يطلبون علم القدر ، فلم يبلغوه ولا يدركوه . ( فأراه الآية الكبرى ) أي العلامة العظمى وهي المعجزة . وقيل : العصا . وقيل : اليد البيضاء تبرق كالشمس . وروى الضحاك عن ابن عباس : الآية الكبرى قال العصا . الحسن : يده وعصاه . وقيل : فلق البحر . وقيل : الآية : إشارة إلى جميع آياته ومعجزاته . " فكذب " أي كذب نبي الله موسى " وعصى " أي عصى ربه عز وجل . ( ثم أدبر يسعى ) أي ولى مدبرا معرضا عن الايمان " يسعى " أي يعمل بالفساد في الأرض . وقيل : يعمل في نكاية موسى . وقيل : " أدبر يسعى " هاربا من الحية . " فحشر " أي جمع أصحابه ليمنعوه منها . وقيل : جمع جنوده للقتال والمحاربة ، والسحرة للمعارضة . وقيل : حشر الناس للحضور . " فنادى " أي قال لهم بصوت عال ( أنا ربكم الاعلى ) أي لا رب لكم فوقي . ويروى : إن إبليس تصور لفرعون في صورة الانس بمصر في الحمام ، فأنكره فرعون ، فقال له إبليس : ويحك ! أما تعرفني ؟ قال : لا . قال : وكيف وأنت خلقتني ؟ ألست القائل أنا ربكم الاعلى . ذكره الثعلبي في كتاب العرائس . وقال عطاء : كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها ، فقال أنا رب أصنامكم . وقيل : أراد القادة والسادة ، هو ربهم ، وأولئك هم أرباب السفلة . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير فنادى فحشر لان النداء يكون قبل الحشر . ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) أي نكال قوله : " ما علمت لكم من إله غيري " [ القصص : 38 ] وقوله بعد : " أنا ربكم الاعلى " [ النازعات : 24 ] قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة . وكان بين الكلمتين أربعون سنة ، قاله ابن عباس . والمعنى : أمهله في الأولى ، ثم أخذه في الآخرة ، فعذبه بكلمتيه . وقيل : نكال الأولى : هو أن أغرقه ، ونكال الآخرة : العذاب في الآخرة . وقاله قتادة وغيره . وقال مجاهد : هو عذاب أول عمره وآخره . وقيل : الآخرة قوله " أنا ربكم الاعلى " والأولى تكذيبه لموسى . عن قتادة أيضا .