القرطبي
151
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أي عسيرا شديدا كما قال : " ثقلت في السماوات والأرض " [ الأعراف : 187 ] . أي يتركون الايمان بيوم القيامة . وقيل : " وراءهم " أي خلفهم ، أي ويذرون الآخرة خلف ظهورهم ، فلا يعملون لها . وقيل : " نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته . وحبهم العاجلة : أخذهم الرشا على ما كتموه . وقيل : أراد المنافقين ، لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا . والآية تعم . واليوم الثقيل يوم القيامة . وإنما سمي ثقيلا لشدائده وأهواله . وقيل : للقضاء فيه بين عباده . قوله تعالى : " نحن خلقناهم " أي من طين . " وشددنا أسرهم " أي خلقهم ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم . والأسر الخلق ، قال أبو عبيد : يقال فرس شديد الأسر أي الخلق . ويقال أسره الله جل ثناؤه إذا شدد خلقه ، قال لبيد : ساهم الوجه شديد أسره * مشرف الحارك محبوك الكتد ( 1 ) وقال الأخطل : من كل مجتنب شديد أسره * سلس القياد تخاله مختالا ( 2 ) وقال أبو هريرة والحسن والربيع : شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب . وقال مجاهد في تفسير الأسر : هو الشرج ، أي إذا خرج الغائط والبول تقبض الموضع . وقال ابن زيد القوة . وقال ابن أحمر يصف فرسا : يمشي بأوظفة شداد أسرها * صم السنابك لا تقي بالجدجد ( 3 ) واشتقاقه من الأسئار وهو القد الذي يشد به الأقتاب ، يقال : أسرت القتب أسرا أي شددته وربطته ، ويقال : ما أحسن أسر قتبه أي شده وربطه ، ومنه قولهم : خذه
--> ( 1 ) ورد في اللسان مادة ( حبك ) أنشد بيت لبيد على هذه الصورة : مشرف الحارك محبوك الكفل ( وكذلك هو في ديوانه ) ومحبوك الكفل : مدمجه . وفي مادة حرك أنشد الشطر : * مغبط الحارك محبوك الكفل * أما الشطر الذي في التفسير هنا فهو لأبي دواد وقد مر في ج 17 ص 32 . ( 2 ) مجتنب : مفتعل من الجنيبة وهي الفرس تقاد ولا تركب وكانوا يركبون الإبل ويجنبون الخيل فإذا صاروا إلى الحرب ركبوا الخيل . ( 3 ) الجدجد : الأرض الصلبة . ولا تقي : لا تتوقى ولا تتهيب .