القرطبي

10

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والجحدري وابن أبي إسحاق " أن لن تقول " ( 1 ) . وقيل : انقطع الاخبار عن الجن ها هنا فقال الله تعالى : " وأنه كان رجال من الانس " فمن فتح وجعله من قول الجن ردها إلى قوله : " أنه استمع " [ الجن : 1 ] ، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى . والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بواد : أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه ، فيبيت في جواره حتى يصبح ، قاله الحسن وابن زيد وغيرهما . قال مقاتل : كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ، ثم من بني حنيفة ، ثم فشا ذلك في العرب ، فلما جاء الاسلام عاذوا بالله وتركوهم . وقال كردم بن أبي السائب : خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملا من الغنم ، فقال الراعي : يا عامر الوادي ، [ أنا ] ( 2 ) جارك . فنادى مناد يا سرحان أرسله ، فأتى الحمل يشتد ( 3 ) . وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة : " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " أي زاد الجن الانس " رهقا " أي خطيئة وإثما ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة . والرهق : الاثم في كلام العرب وغشيان المحارم ، ورجل رهق إذا كان كذلك ، ومنه قوله تعالى : " وترهقهم ذلة " [ يونس : 27 ] وقال الأعشى : لا شئ ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفي وامق ( 4 ) ما لم يصب رهقا يعني إثما . وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا سببا لها . وقال مجاهد أيضا : " فزادوهم " أي إن الانس زادوا الجن طغيانا بهذا التعوذ ، حتى قالت الجن : سدنا الإنس والجن . وقال قتادة أيضا وأبو العالية والربيع وابن زيد : ازداد الانس بهذا فرقا وخوفا من الجن . وقال سعيد ابن جبير : كفرا . ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك . وقيل : لا يطلق لفظ الرجال على الجن ، فالمعنى : وأنه كان رجال من الانس يعوذون من شر الجن

--> ( 1 ) قال الآلوسي : ( تقول ) : أصله تتقول بتاءين فحذفت إحداهما فكذبا مصدر مؤكد لان الكذب هو التقول ( 2 ) الزيادة من الدر المنثور للسيوطي . ( 3 ) يشتد : يعدو . ( 4 ) في ا ، ح وفتح القدير للشوكاني : ( عاشق ) .