القرطبي
73
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( النوح ) . وفي صحيح مسلم عن أم عطية لما نزلت هذه الآية : " يبايعنك على إلا يشركن بالله شيئا - إلى قوله - ولا يعصينك في معروف " قال : ( كان منه النياحة ) قالت : فقلت يا رسول الله ، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية ، فلا بد لي من أن أسعدهم . فقال ، رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إلا آل فلان ) . وعنها قالت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة إلا ننوح ، فما وفت منا امرأة إلا خمس : أم سليم ، وأم العلاء ، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة ، وامرأة معاذ . وقيل : إن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله ، قاله ميمون بن مهران . وقال بكر بن عبد الله المزني : لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن الكلبي : هو عام في كل معروف أمر الله عز وجل ورسوله به . فروي أن هندا قالت عند ذلك : ما جلسنا في مجلسا هذا وفي أنفسا أن نعصيك في شئ . الثالثة : ذكر الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالا شتى ، صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الامر . وهي ستة أيضا : الشهادة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والاغتسال من الجنابة . وذلك لان النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال ، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد . وقيل : إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب ، فخصت بالذكر لهذا . ونحو منه قوله عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس : ( وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت ) ( 1 ) فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي ، لأنها كانت شهوتهم وعادتهم ، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها .
--> ( 1 ) الدباء : هو القرع اليابس . والحنتم : الجرة . والنقير : أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء . والمزفت : الاناء الذي طلى بالزفت . قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية : " عن أبي بكرة قال : أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت . وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت . وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر . وأما المزفت فهي الأوعية التي فيها الزفت . . . ومعنى النهى عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها الاسكار فربما يشرب منها من إلا يشعر بذلك . ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهى عن شرب كل مسكر " .