القرطبي
5
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بالتي أخرجوا منها المسلمين . وقيل : ليسدوا بها أزقتهم . وقال عكرمة " بأيديهم " في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون . وب " أيدي المؤمنين " في إخراب ( 1 ) ظاهرها ليصلوا بذلك إليهم . قال عكرمة : كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها " فخربوها من داخل وخربها المسلمون من خارج . وقيل : " يخربون بيوتهم " بنقض المواعدة " وأيدي المؤمنين " بالمقاتلة ، قاله الزهري أيضا . وقال أبو عمرو بن العلاء " بأيديهم " في تركهم لها . وب " أيدي المؤمنين " في إجلائهم عنها . قال ابن العربي التناول للافساد إذا كان باليد كان حقيقة ، وإذا كان بنقض العهد كان مجازا ، إلا أن قول الزهري في المجاز أمثل من قول أبي عمرو بن العلاء . قوله تعالى : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) أي اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب . وقيل : يا من عاين ذلك ببصره ، فهو جمع للبصر . ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها . ومن وجوهه : أنه سلط عليهم من كان ينصرهم . ومن وجوهه أيضا : أنهم هدموا أموالهم بأيديهم . ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه . وفي الأمثال الصحيحة : " السعيد من وعظ بغيره " . قوله تعالى : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ( 3 ) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ( 4 ) قوله تعالى : ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ) أي لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن . ( لعذبهم في الدنيا ) أي بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة . والجلاء مفارقة الوطن يقال : جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء . والفرق بين الجلاء والاخراج وإن كان معناهما في الابعاد واحدا من وجهين : أحدهما - أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والاخراج قد يكون مع بقاء
--> ( 1 ) ما بين المربعين ساقط من ه .