القرطبي

57

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

موعدة منه له قاله قتادة ومجاهد وغيرهما . وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه ، ثم بين عذره في سورة " التوبة " ( 1 ) . وفى هذا دلالة على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء ، لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( 2 ) " [ الحشر : 7 ] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض أفعاله . وقيل : هو استثناء منقطع ، أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ، إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم ، فلما بان له أنه لم يسلم تبرأ منه . وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم ، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن ، فلم توالوهم . ( وما أملك لك من الله من شئ ) هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه ، أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به . ( ربنا عليك توكلنا ) هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه . وقيل : علم المؤمنين أن يقولوا هذا . أي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا : " ربنا عليك توكلنا " أي اعتمدنا ( وإليك أنبنا ) أي رجعنا ( وإليك المصير ) لك الرجوع في الآخرة ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) أي لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك . وقيل : لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا . ( واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ) . قوله تعالى : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد 6 عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم 7 قوله تعالى : ( لقد كان لكم فيهم ) أي في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء . ( أسوة حسنة ) أي في التبرؤ من الكفار . وقيل : كرر للتأكيد . وقيل : نزل الثاني بعد

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 274 . ( 2 ) راجع ص 17 من هذا الجزء .