القرطبي
58
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأول بمدة ، وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه . ( ومن يتول ) أي عن الاسلام وقبول هذه المواعظ ( فإن الله هو الغنى ) أي لم يتعبدهم لحاجته إليهم . ( الحميد ) في نفسه وصفاته . ولما نزلت عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت : ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ) وهذا بأن يسلم الكافر . وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وخالطهم المسلمون ، كأبي سفيان ابن حرب ، والحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام . وقيل : المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فلانت عند ذلك ( 1 ) عريكة أبي سفيان ، واسترخت شكيمته في العداوة . قال ابن عباس : كانت المودة بعد الفتح تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت تحت عبد الله بن جحش ، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة . فأما زوجها فتنصر وسألها أن تتابعه على دينه فأبت وصبرت على دينها ، ومات زوجها على النصرانية . فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها ، فقال النجاشي لأصحابه : من أولاكم بها ؟ قالوا : خالد بن سعيد بن العاص . قال فزوجها من نبيكم . ففعل ، وأمهرها النجاشي من عنده أربعمائة دينار . وقيل : خطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان ، فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها ، فساق عنه المهر وبعث بها إليه . فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته : ذلك الفحل لا يقدع أنفه . " يقدع " بالدال غير المعجمة ، يقال : هذا فحل لا يقدع أنفه ، أي لا يضرب أنفه . وذلك إذا كان كريما . قوله تعالى : لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين 8
--> ( 1 ) العريكة : الطبيعة . ولانت عريكته : إذا انكسرت نخوته . والشكيمة : الانفة . ومن اللجام : الحديدة المعترضة في الفم .