القرطبي
43
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) في أوامره ونواهيه ، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه . ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) يعني يوم القيامة . والعرب تكني عن المستقبل بالغد . وقيل : ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة ، كما قال الشاعر : * وإن غدا للناظرين قريب ( 1 ) * وقال الحسن وقتادة : قرب الساعة حتى جعلها كغد . ولا شك أن كل آت قريب ، والموت لا محالة آت . ومعنى " ما قدمت " يعني من خير أو شر . ( واتقوا الله ) أعاد هذا تكريرا ، كقولك : أعجل أعجل ، ارم ارم . وقيل التقوى الأولى التوبة فيما مضى من الذنوب ، والثانية اتقاء المعاصي في المستقبل . ( إن الله خبير بما تعملون ) قال سعيد بن جبير : أي بما يكون منكم . والله أعلم . قوله تعالى : ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون 19 قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله ) أي تركوا أمره فأنساهم أنفسهم ) أن يعلموا لها خيرا ، قاله ابن حبان . وقيل : نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم ، قاله سفيان . وقيل : " نسوا الله " بترك شكره وتعظيمه . " فأنساهم أنفسهم " بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضا ، حكاه ابن عيسى . وقال سهل بن عبد الله : " نسوا الله " عند الذنوب " فأنساهم أنفسهم " عند التوبة . ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في " أنساهم " إذ كان ذلك بسبب أمره ونهيه الذي تركوه . وقيل : معناه وجدهم تاركين أمره ونهيه ، كقولك : أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا . وقيل : " نسوا الله " في الرخاء ( فأنساهم أنفسهم " في الشدائد . ( أولئك هم الفاسقون ) قال ابن جبير : العاصون . وقال ابن زيد : الكاذبون . وأصل الفسق الخروج ، أي الذين خرجوا عن طاعة الله .
--> ( 1 ) في فرائد اللآل : أن قائل هذا هو فراد بن أجدع للنعمان بن المنذر . ولفظ البيت : فإن بك صدر هذا اليوم ولى * فإن غدا لناظره قريب