القرطبي
239
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : " إنا بلوناهم " يريد أهل مكة . والابتلاء الاختبار . والمعنى أعطيناهم أموالا ليشكروا لا ليبطروا ، فلما بطروا وعادوا محمدا صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم . وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء - ويقال بفرسخين - وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها ، فلما مات صارت إلى ولده ، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها ، فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها . قال الكلبي : كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ، ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم . وقيل : هي جنة بضوران ، وضوران على فرسخ من صنعاء ، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير - وكانوا بخلاء - فكانوا يجدون التمر ليلا من أجل المساكين ، وكانوا أرادوا حصاد زرعها وقالوا : لا يدخلها اليوم عليكم مسكين ، فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها فأصبحت كالصريم ، أي كالليل . ويقال أيضا للنهار صريم . فإن كان أراد الليل فلاسوداد موضعها . وكأنهم وجدوا موضعها حمأة . وإن كان أراد بالصريم النهار فلذهاب الشجر والزرع ونقاء الأرض منه . وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتلعها . فيقال : إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم ، ولذلك سميت الطائف . وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها . وقال البكري في المعجم : سميت الطائف لان رجلا من الصدف ( 1 ) يقال له الدمون ، بنى حائطا وقال : قد بنيت لكم طائفا حول بلدكم ، فسميت الطائف . والله أعلم . الثانية - قال بعض العلماء : على من حصد زرعا أو جد ثمرة أن يواسى منها من حضره ، وذلك معنى قوله : " وآتوا حقه يوم حصاده " [ الانعام : 141 ] وأنه ( 2 ) غير الزكاة على ما تقدم في " الانعام " بيانه ( 3 ) . وقال بعضهم : وعليه ترك ما أخطأه الحصادون . وكان بعض العباد يتحرون أقواتهم
--> ( 1 ) الصدف ( بالفتح ثم الكسر ) : مخلاف من اليمن منسوب إلى القبيلة . ( 2 ) في ط : " عين " . ( 3 ) راجع ج 7 ص 99 .