القرطبي

240

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من هذا . وروي أنه نهي عن الحصاد بالليل . فقيل : إنه لما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق . وتأول من قال هذا الآية التي في سورة " ن والقلم " . وقيل : إنما نهي عن ذلك خشية الحيات وهو أم الأرض . قلت : الأول أصح ، والثاني حسن . وإنما قلنا الأول أصح لان العقوبة كانت بسبب ، ما أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى . روى أسباط عن السدي قال : كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلا صالحا ، وكان إذا بلغ ثماره أتاه المساكين فلم يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها ويتزودوا ، فلما مات قال بنوه بعضهم لبعض : علام نعطي أموالنا هؤلاء المساكين ! تعالوا فلندلج فنصرمنها قبل أن يعلم المساكين ، ولم يستثنوا ، فانطلقوا وبعضهم يقول لبعض خفتا : ( 1 ) لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ، فذلك قوله تعالى : " إذ أقسموا " يعني حلفوا فيما بينهم " ليصر منها مصبحين " يعني لنجذنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين ، ولا يستثنون ، يعني لم يقولوا إن شاء الله . وقال ابن عباس : كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين ، غرسها رجل من أهل الصلاح وكان له ثلاثة بنين ، وكان للمساكين كل ما تعداه المنجل فلم يجذه من الكرم ، فإذا طرح على البساط فكل شئ سقط عن البساط فهو أيضا للمساكين ، فإذا حصدوا زرعهم فكل شئ تعداه المنجل فهو للمساكين ، فإذا درسوا كان لهم كل شئ انتثر ، فكان أبوهم يتصدق منها على المساكين ، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين ، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم . فقالوا : قل المال وكثر العيال ، فتحالفوا بينهم ليغدون غدوة قبل خروج الناس ثم ليصر منها ولا تعرف المساكين . وهو قوله : " إذ أقسموا " أي حلفوا " ليصر منها " ليقطعن ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسدفة ( 2 ) من الليل لئلا ينتبه المساكين لهم . والصرم القطع . يقال : صرم العذق عن النخلة . وأصرم النخل أي حان وقت صرامه . مثل أركب المهر وأحصد الزرع ، أي حان ركوبه وحصاده . ( ولا يستثنون ) أي ولم يقولوا إن شاء الله . " فتنادوا مصبحين " ينادى بعضهم بعضا .

--> ( 1 ) الخفت ( بوزن السبت ) : إسرار المنطق . ( 2 ) السدقة : الظلمة ، والضوء . وطائفة من الليل . وقيل : اختلاط الضوء والظلمة جميعا .