القرطبي

22

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

شركاء في الفئ ، أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوءوا الدار . وقال مالك بن أوس : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية " إنما الصدقات للفقراء " [ التوبة : 60 ] فقال : هذه لهؤلاء . ثم قرأ " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " فقال : هذه لهؤلاء . ثم قرأ " ما أفاء الله على رسوله - حتى بلغ - للفقراء المهاجرين " ، " والذين تبوءوا الدار والايمان " ، " والذين جاءوا من بعدهم " ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير ( 1 ) نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه . وقيل : إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك ، وقال لهم : تثبتوا الامر وتدبروه ثم أغدوا علي . ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت . فلما غدوا عليه قال : قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة " الحشر " وتلا " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى - إلى قوله - للفقراء المهاجرين " فلما بلغ قوله : " أولئك هم الصادقون " [ الحجرات : 15 ] قال : ما هي لهؤلاء فقط . وتلا قوله : " والذين جاءوا من بعدهم - إلى قوله - رؤوف رحيم " [ الحشر : 10 ] ثم قال : ما بقي أحد من أهل الاسلام إلا وقد دخل في ذلك . والله أعلم . الثالثة - روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال : لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر . وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة : أن عمر أبقى سواد ( 2 ) العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم ، لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحشوة والذراري ، وأن الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم ، فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك ، فقيل : إنه استطاب أنفس أهل الجيش ، فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين قلة . ومن أبى أعطاه ثمن حظه . فمن قال : إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه قسم خيبر ، لان اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها . وقيل : إنه أبقاها بغير شئ أعطاه أهل الجيوش . وقيل : إنه

--> ( 1 ) سرو حمير : منازل حمير بأرض اليمن . والسرو من الجبل : ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل . ( 2 ) سواد البلدة : ما حولها من الريف والقرى .