القرطبي

13

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مقام الرسول عليه الصلاة والسلام . وفي قول آخر له : يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر ، يقدم الأهم فالأهم ، وهذا في أربعة أخماس الفئ . فأما السهم الذي كان له من خمس الفئ والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا خلاف ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( ليس لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم ) . وقد مضى القول فيه في سورة " الأنفال " ( 1 ) . وكذلك ما خلفه من المال غير موروث ، بل هو صدقة يصرف عنه إلى مصالح المسلمين ، كما قال عليه السلام : ( إنا لا نورث ما تركناه صدقة ) . وقيل : كان مال الفئ لنبيه صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى : " ما أفاء الله رسوله " فأضافه إليه ، غير أنه كان لا يتأثل ( 2 ) مالا ، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيا ت ، أما الآية الأولى فهي قوله : " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر " [ الحشر : 2 ] ثم قال تعالى : " وما أفاء الله على رسوله منهم " يعني من أهل الكتاب معطوفا عليهم . ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) يريد كما بينا ، فلا حق لكم فيه ، ولذلك قال عمر : إنها كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني بني النضير وما كان مثلها . فهذه آية واحدة ومعنى متحد . الآية الثانية : قوله تعالى : " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول " وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول . وسمى الآية الثالثة آية الغنيمة ، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر ، بيد أن الآية الأولى والثانية ، اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله ، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال ، واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال ، وعريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى : " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال ، فنشأ الخلاف من هاهنا ، فمن طائفة قالت : هي ملحقة بالأولى ، وهو مال الصلح كله ونحوه .

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 11 . ( 2 ) المتأثل : الجامع .