القرطبي
103
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أراد بالسعي المضي بجد وانكماش ، ولم يقصد للعدو والاسراع في الخطو . وقال الفراء وأبو عبيدة : معنى السعي في الآية المضي . واحتج الفراء بقولهم : هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله ، معناه هو يمضي بجد واجتهاد . واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر : أسعى على جل بني مالك * كل امرئ في شأنه ساعي فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش ، ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته . قلت : ومما يدل على أنه ليس المراد ها هنا العدو قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة ) . قال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الاقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع . وقال قتادة : السعي أن تسعى بقلبك وعملك . وهذا حسن ، فإنه جمع الأقوال الثلاثة . وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث . السادسة : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " خطاب للمكلفين بإجماع . ويخرج منه المرضى والزمني والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل ، والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة . روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد ) خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله : ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الاتيان إليها ، مثل المرض الحابس ، أو خوف الزيادة في المرض ، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق . والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع . ولو يره مالك عذرا له ، حكاه المهدوي . ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم له قد حضرته الوفاة ، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة . وقد فعل ذلك ابن عمر .