الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
465
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ونسبة الجنون إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليس بالشئ الجديد في مسير دعوة السماء فقد واجه جميع أنبياء الله ( عليهم السلام ) هذا الافتراء الفارغ من قبل جهلة وكفرة عصورهم ، وقد حدثنا القرآن الكريم بتلك الوقائع : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ( 1 ) . فالعاقل في منطق الجاهلية ، من يخضع للعادات والتقاليد المعاشة وإن كانت فاسدة منحطة ، ومن يطلق لجماح أهواءه وشهواته العنان ، ومن لا يفكر بأي إصلاح أو تغيير لأنه خروج على السائد المتعارف عليه ! وبناء على هذا المقياس الأعمى . . . فكل الأنبياء في نظر عبدة الدنيا مجانين . . . ويؤكد القرآن على الارتباط الوثيق ما بين النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجبرائيل ( عليه السلام ) : ولقد رآه في الأفق المبين ، وهو " الأفق الأعلى " الذي تظهر فيه الملائكة ، حيث شاهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جبرائيل ( عليه السلام ) . وقد استدل بعض المفسرين بالآية ( 7 ) من سورة النجم على التفسير أعلاه ، والتي تقول : وهو بالأفق الأعلى . ولكننا نرى أن الآية مع بقية آيات السورة تتحدث عن حقيقة أخرى ، فراجع إلى ما ذكرناه في تفسيرنا هذا . وقال بعض : إن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد رأى جبرائيل ( عليه السلام ) في صورته الحقيقية مرتين ، الأولى عند بداية البعثة النبوية المباركة ، حيث ظهر له في الأفق الأعلى وقد غطى الشرق والغرب حتى بهر النبي بعظمة هيئته ، والثانية رآه عند معراجه إلى السماوات العلى واعتبروا الآية المبحوثة إشارة لتلك الرؤيتين . وثمة من يذهب في تفسير الآية من كونها تشير إلى مشاهدة الله عز وجل بالشهود الباطني ، ( ولمزيد من الإيضاح ، راجع ذيل الآيات ( 5 - 13 ) من سورة
--> 1 - الذاريات : الآية 52 .