الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

349

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأدلة الإلهية في عالم التكوين والتشريع ، إنما تستحق أشد العقوبات المخبر عنها في القرآن الكريم . ينبه القرآن الطغاة على وجود الموازنة بين الجرم والعقاب في العدل الإلهي ، فيقول : وكل شئ أحصيناه كتابا ( 1 ) . فلا تظنوا أن شيئا من أعمالكم سيبقى بلا حساب أو عقاب ، ولا تساوركم الشكوك بعدم عدالة العقوبات المقررة لكم . فما أكثر الآيات القرآنية التي تحكي عن حقيقة ضبط إحصاء كل ما يبدر من الإنسان ، سواء كان من الأعمال الصغيرة أم الكبيرة ، سرية أم علنية ، بل ويخضع لذلك حتى عقائد ونيات المرء . وفي هذا المجال ، يقول القرآن : وكل شئ فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر ( 2 ) . . وفي موضع آخر يقول : إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ( 3 ) . . وفي مكان آخر يقول : ونكتب ما قدموا وآثارهم ( 4 ) . ولذلك يصرخ المجرمون بالقول : يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ( 5 ) ، حينما يستلمون كتابهم الحاوي على كل ما فعلوه في الحياة الدنيا . ومما لا شك فيه ، أن إدراك حقيقة الآيات الربانية بكامل القلب ، سوف يدفع الإنسان لأن يكون دقيقا في جميع أعماله ، وسيكون اعتقاده الجازم بمثابة السد المنيع بينه وبين ارتكاب الذنوب ، ومن العوامل المهمة والمؤثرة في العملية التربوية .

--> 1 - " كل " : مفعول به لفعل مستتر يدل عليه الفعل " أحصيناه " . و " كتابا " : مفعول مطلق لأحصينا ، لأنه بمعنى كتبنا ، واعتبره البعض : حالا . 2 - القمر ، 52 و 53 . 3 - يونس ، 21 . 4 - سورة يس ، 12 . 5 - الكهف ، 49 .