الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
22
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فسروه بالجزع ، وبناء على التفسير الأول فإنه يشار إلى ثلاثة أمور رذيلة يتصف بها هؤلاء وهي : الحرص ، والجزع ، والبخل ، وللتفسير الثاني صفتان هما : الجزع ، والبخل ، لأن الثانية والثالثة هي تفسير لمعنى الهلوع . وهنا احتمال آخر وهو أن المعنيين يجتمعان في هذه الكلمة ، لأن هاتين الصفتين متلازمتان مع بعضهما ، فالناس الحريصون غالبا ما يكونون بخلاء ، ويجزعون عند الشدائد ، بالعكس أيضا صحيح . وهنا يطرح هذا السؤال ، وهو كيف أن الله خلق الإنسان للسعادة والكمال وجعل فيه الشر والسوء ؟ وهل يمكن أن يخلق الله شيئا ذا متصفا بصفة ، ثم وبعد يذم خلقه ؟ بالإضافة إلى ذلك فإن القرآن الكريم يصرح في سورة التين الآية ( 4 ) : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . بالتأكيد ليس من أن ظاهر الإنسان حسن وباطنه سئ ، بل إن الخلقة الكلية للإنسان هي في صورة " أحسن تقويم " ، وهناك كذلك آيات أخرى تمدح المقام الرفيع للإنسان ، فكيف تتفق هذه الآيات مع الآية التي نحن بصددها ؟ أجوبة هذه الأسئلة تتضح بالالتفات إلى نقطة واحدة ، وهي أن الله خلق القوى والغرائز والصفات في الإنسان كوسائل لتكامل الإنسان وبلوغ سعادته ، لكن عندما يستخدمها الإنسان في الطريق المنحرف ويسئ تدبيرها والاستفادة منها فستكون العاقبة هي التعاسة والشر والفساد ، فمثلا الحرص هو الذي لا يتيح فرصة للإنسان للتوقف عن السعي والحركة والاكتفاء بما لديه من نعمة وهو العطش المحرق الذي يسيطر على الإنسان ، فلو أن هذه الصفة وقعت في طريق العلم لوجدنا الإنسان حريصا على التعلم ، أو بعبارة أخرى يتعطش العلم ويعشقه ، وبذلك سوف يكون سببا لكماله ، وأما إذا أخذت مسيرها في الماديات فإنها ستكون سببا للتعاسة والبخل ، وبتعبير آخر : إن هذا الصفة فرع من فروع حب