الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
118
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والمنطق ، منها ما نسب إليهم الأشكال الغريبة والعجيبة والمرعبة ، وأنهم موجودات سامة وذوات أذناب ! مؤذية ، ومبغضة ، سيئة التصرف والسلوك إذ يمكن أن تحرق دورا بمجرد أن يسكب إناء ماء مغلي في بالوعة مثلا ، وأوهام أخرى من هذا القبيل ، في حين أن أصل الموضوع إذا تم تطهيره من هذه الخرافات قابلا للقبول ، لأننا لا نملك دليلا على حصر الموجودات الحية بما نحن نراه ، بل يقول علماء العلوم الطبيعية : إن الكائنات التي يستطيع الإنسان أن يدركها بحواسه ضئيلة بالنسبة للموجودات التي لا تدرك بالحواس . وفي الفترة الأخيرة وقبل أن يكشف المجهر هذه الكائنات الحية ، لم يصدق أحد أن هناك الآلاف المؤلفة من الموجودات الجية المتواجدة في قطرة الماء أو الدم لا يمكن للإنسان أن يراها ويقول أيضا : إن أعيننا ترى ألوانا محددة ، وكذا آذاننا تسمع أمواجا صوتية محددة ، والألوان والأصوات التي لا ندركها بآذاننا وأعيننا أكثر بكثير من تلك التي تدرك ، وعندما تكون الدنيا بهذا الشكل لا يبقى موضع للتعجب من وجود هذه الكائنات الحية ، والتي لا يمكن لنا إدراكها بالحواس ، ولم لا نتقبل ذلك عندما يخبرنا انسان صادق كالنبي العظيم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . على أي حال فإن القرآن المجيد قد أخبرنا من جهة بوجود الجن وخصوصياته المذكورة سلفا ، ومن جهة أخرى ليس هناك دليل عقلي على عدم وجود الجن ، ولهذا لابد من الاعتقاد بهم ، وتجنب الأقوال التي لا تليق بهم كما في خرافات العوام . ومما يلاحظ أيضا أن لفظ الجن يطلق أحيانا على مفهوم أوسع يشمل أنواعا من الكائنات المستورة أعم من الكائنات ذوات العقل والإدراك ولفاقدة لهما ، وحتى مجاميع الحيوانات التي ترى بالعين والمختفية في الأوكار أيضا ، والدليل على ذلك روايات وردت عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث قال : " خلق الله الجن خمسة أصناف : صنف كالريح في الهواء ، وصنف حياة ، وصنف عقارب ، وصنف