القرطبي

89

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ابن عباس أيضا في قوله تعالى : ( ثم دنا فتدلى ) أن معناه أن الله تبارك وتعالى ( دنا ) من محمد صلى الله عليه وسلم ( فتدلى ) . وروى نحوه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم . والمعنى دنا منه أمره وحكمه . وأصل التدلي النزول إلى الشئ حتى يقرب منه فوضع موضع القرب ، قال لبيد ( 1 ) : فتدليت عليه قافلا * وعلى الأرض غيابات الطفل وذهب الفراء إلى أن الفاء في ( فتدلى ) بمعنى الواو ، والتقدير ثم تدلى جبريل عليه السلام ودنا . ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت ، فقلت فدنا فقرب وقرب فدنا ، وشتمني فأساء وأساء فشتمني ، لان الشتم والإساءة شئ واحد . وكذلك قوله تعالى : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ( 2 ) ) المعنى والله أعلم : انشق القمر واقتربت الساعة . وقال الجرجاني : في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا ، لان التدلي سبب الدنو . وقال ابن الأنباري : ثم تدلى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عباس : تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه . وسيأتي . ومن قال : المعنى فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الاعلى قد يقول : ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى أي هوى للسجود . وهذا قول الضحاك . قال القشيري : وقيل على هذا تدلى أي تدلل ، كقولك تظني بمعنى تظنن ، وهذا بعيد ، لان الدلال غير مرضي في صفة العبودية . قوله تعالى : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) أي ( كان ) محمد من ربه أو من جبريل ( قاب قوسين ) أي قدر قوسين عربيتين . قاله ابن عباس وعطاء والفراء . الزمخشري : فإن قلت كيف تقدير قوله : ( فكان قاب قوسين ) قلت : تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين ، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله ( 3 ) : * وقد جعلتني من حزيمة إصبعا *

--> ( 1 ) البيت في وصف فرس . أراد أنه نزل من مربائه وهو على فرسه راكب . ( 2 ) راجع ص 125 من هذا الجزء ( 3 ) اختلف في القائل وصدر البيت : * فأدرك ابقاء العرادة ظلعها * وفى ز : ( خزيمة ) بالخاء المعجمة ، وهو تحريف . وحزيمة ( بالمهملة ) : اسم فارس من فرسان العرب . والعرادة : اسم فرس من خيل العرب في الجاهلية .