القرطبي

90

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أي ذا مقدار مسافة إصبع ( أو أدنى ) أي على تقديركم ، كقوله تعالى : ( أو يزيدون ( 1 ) ) . وفي الصحاح : وتقول بينهما قاب قوس ، وقيب قوس وقاد قوس ، وقيد قوس ، أي قدر قوس . وقرأ زيد بن علي ( قاد ) وقرئ ( قيد ) و ( قدر ) . ذكره الزمخشري . وألقاب ما بين المقبض والسية . ولكل قوس قابان . وقال بعضهم في قوله تعالى : ( قاب قوسين ) أراد قابي قوس فقلبه . وفي الحديث : ( ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها ) والقد السوط . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها ) . وإنما ضرب المثل بالقوس ، لأنها لا تختلف في ألقاب . والله أعلم . قال القاضي عياض : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى ، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه : إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته . ومن الله تعالى له : مبرة وتأنيس وبسط وإكرام . ويتأول في قوله عليه السلام : ( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ) على أحد الوجوه : نزول إجمال وقبول وإحسان . قال القاضي : وقوله : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والاشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي ، وإنافة المنزلة والقرب من الله ، ويتأول فيه ما يتأول في قوله عليه السلام : ( من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) قرب بالإجابة والقبول ، وإتيان بالاحسان وتعجيل المأمول . وقد قيل : ( ثم دنا ) جبريل من ربه ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) قاله مجاهد . ويدل عليه ما روي في الحديث : ( إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام ) . وقيل : ( أو ) بمعنى الواو أي قاب قوسين وأدنى . وقيل : بمعنى بل أي بل أدنى . وقال سعيد بن المسيب : ألقاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ، ولكل قوس قاب واحد . فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين . وقال سعيد بن جبير وعطاء

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 130