القرطبي
88
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفا . الثاني أنه النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج . وقول سادس ( فاستوى ) يعني الله عز وجل ، أي استوى على العرش على قول الحسن . وقد مضى القول فيه في ( الأعراف ( 1 ) ) . قوله تعالى : ( وهو بالأفق الاعلى ) جملة في موضع الحال ، والمعنى فاستوى عاليا ، أي استوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا . والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق . وقال قتادة : هو الموضع الذي تأتى منه الشمس . وكذا قال سفيان : هو الموضع الذي تطلع منه الشمس . ونحوه عن مجاهد . ويقال : أفق وأفق مثل عسر وعسر . وقد مضى في ( حم السجدة ( 2 ) ) . وفرس أفق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى ، قال الشاعر : أرجل لمتي وأجر ذيلي * وتحمل شكتي أفق كميت ( 3 ) وقيل : ( وهو ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ( بالأفق الاعلى ) يعني ليلة الاسراء وهذا ضعيف ، لأنه يقال : استوى هو وفلان ، ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر . والصحيح استوى جبريل عليه السلام وجبريل بالأفق الاعلى على صورته الأصلية ، لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل ، فأحب النبي صلى الله وسلم أن يراه على صورته الحقيقية ، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق . قوله تعالى : ( ثم دنا فتدلى ) أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الاعلى من الأرض ( فتدلى ) فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي . المعنى أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى ، وهاله ذلك رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ، وذلك قوله تعالى : ( فأوحى إلى عبده ) يعني أوحى الله إلى جبريل وكان جبريل ( قاب قوسين أو أدنى ) قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم . وعن
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 219 وج 1 ص 254 ( 2 ) راجع ج 15 ص 374 ( 3 ) قائله عمرو بن قنعاس المرادي . والشكة السلاح . وفى اللسان : وتحمل بزتى . والكميت من الخيل ما خلط حمرته سواد غير خالص .