القرطبي

87

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقال مجاهد وقتادة : ( ذو مرة ) ذو قوة ، ومنه قول خفاف بن ندبة : إني امرؤ ذو مرة فاستبقني * فيما ينوب من الخطوب صليب فالقوة تكون من صفة الله عز وجل ، ومن صفة المخلوق . ( فاستوى ) يعني جبريل على ما بينا ، أي ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم ، قاله سعيد ابن المسيب وابن جبير . وقيل : ( فاستوى ) أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ، لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء ، فأما في الأرض ففي الأفق الاعلى ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء ، فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب ، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه . فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه ، فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة ) . فقال : يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب . فقال : ( إن هذا لعظيم ) فقال : وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا ، ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح ، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي ، وانه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصع . يعنى العصفور الصغير ، دليله قوله تعالى : ( ولقد رآه بالأفق المبين ( 1 ) ) وأما في السماء فعند سدرة المنتهى ، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . وقول ثالث أن معنى ( فاستوى ) أي استوى القرآن في صدره . وفيه على هذا وجهان : أحدهما في صدر جبريل حين نزل به عليه . الثاني في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه . وقول رابع أن معنى ( فاستوى ) فاعتدل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . وفيه على هذا وجهان : أحدهما فاعتدل في قوته . الثاني في رسالته . ذكرهما الماوردي . قلت : وعلى الأول يكون تمام الكلام ( ذو مرة ، وعلى الثاني ( شديد القوى ) . وقول خامس أن معناه فارتفع . وفيه على هذا وجهان : أحدهما أنه جبريل عليه السلام

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 239