القرطبي

85

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كقوله تعالى : ( فاسأل به خبيرا ( 1 ) ) أي فاسأل عنه . النحاس : قول قتادة أولى ، وتكون ( عن ) على بابها ، أي ما يخرج نطقه عن رأيه ، إنما هو بوحي من الله عز وجل ، لان بعده : ( إن هو إلا وحي يوحى ) . الثانية - قد يحتج بهذه الآية من لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث . وفيها أيضا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل . وقد تقدم في مقدمة الكتاب حديث المقدام بن معدى كرب ( 2 ) في ذلك والحمد لله . قال السجستاني : إن شئت أبدلت ( إن هو إلا وحي يوحى ) من ( ما ضل صاحبكم ) قال ابن الأنباري : وهذا غلط ، لان ( إن ) الخفيفة لا تكون مبدلة من ( ما ) الدليل على هذا أنك لا تقول : والله ما قمت إن أنا لقاعد . قوله تعالى : ( علمه شديد القوى ) يعني جبريل عليه السلام في قول سائر المفسرين ، سوى الحسن فإنه قال : هو الله عز وجل ، ويكون قوله تعالى : ( ذو مرة ) على قول الحسن تمام الكلام ، ومعناه ذو قوة والقوة من صفات الله تعالى ، وأصله من شدة فتل الحبل ، كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل . ثم قال : ( فاستوى ) يعني الله عز وجل ، أي استوى على العرش . روي معناه عن الحسن . وقال الربيع بن أنس والفراء : ( فاستوى . وهو بالأفق الا على ) أي استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام . وهذا على العطف على المضمر المرفوع ب ( هو ) . وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه ، فيقولون : استوى هو وفلان ، وقلما يقولون استوى وفلان ، وأنشد الفراء : ألم تر أن النبع يصلب عوده * ولا يستوي والخروع المتقصف ( 3 ) أي لا يستوي هو والخروع ، ونظير هذا : ( أئذا كنا ترابا وآباؤنا ( 1 ) ) والمعنى أئذا كنا ترابا نحن وآباؤنا . ومعنى الآية : استوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الاسراء بالأفق الاعلى .

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 63 وص 228 ( 2 ) راجع ج 1 ص 37 ( 3 ) النبع : شجر في الجبال تؤخذ منه القسي . والخروع معروف . والمتقصف : المتكسر .