القرطبي

55

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ربك على تقصير كان منك ( وذكر ) أي بالعظة فإن العظة ( تنفع المؤمنين ) . قتادة : ( وذكر ) بالقرآن ( فإن الذكرى ) به ( تنفع المؤمنين ) . وقيل : ذكرهم بالعقوبة وأيام الله . وخص المؤمنين ، لأنهم المنتفعون بها . قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون ( 56 ) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ( 57 ) ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين ( 58 ) فات للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ( 59 ) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ( 60 ) قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون ) قيل : إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده ، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص . والمعنى : وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون . قال القشيري : والآية دخلها التخصيص على القطع ، لان المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة ، وقد قال الله تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ( 1 ) ) ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة ، فالآية محمولة على المؤمنين منهم ، وهو كقوله تعالى : ( قالت الاعراب آمنا ( 2 ) ) وإنما قال فريق منهم . ذكره الضحاك والكلبي والفراء والقتبي . وفي قراءة عبد الله : ( وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون ) وقال علي رضي الله عنه : أي وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة . واعتمد الزجاج على هذا القول ، ويدل عليه قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ( 3 ) ) . فإن قيل : كيف كفروا وقد خلقهم للاقرار بربوبيته والتذلل لامره ومشيئته ؟ قيل : تذللوا لقضائه عليهم ، لان قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه ، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به ، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه . وقيل : ( إلا ليعبدون ) أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها ، رواه علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس . فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة . مجاهد : إلا ليعرفوني .

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 324 ( 2 ) راجع ج 16 ص 348 ( 3 ) راجع ج 8 ص 119