القرطبي

56

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثعلبي : وهذا قول حسن ، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده . ودليل هذا التأويل قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقو ( 1 ) لن الله ) ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ( 1 ) ) وما أشبه هذا من الآيات . وعن مجاهد أيضا : إلا لآمرهم وأنهاهم . زيد بن أسلم : هو ما جبلوا عليه من الشقوة والسعادة ، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة ، وخلق الأشقياء منهم للمعصية . وعن الكلبي أيضا : إلا ليوحدون ، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء ، يدل عليه قوله تعالى : ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ( 2 ) ) الآية . وقال عكرمة : إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد . وقيل : المعنى إلا لأستعبدهم . والمعنى متقارب ، تقول : عبد بين العبودة والعبودية ، وأصل العبودية الخضوع والذل . والتعبيد التذليل ، يقال : طريق معبد . قال ( 3 ) : * وظيفا وظيفا فوق مور معبد * والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبدا . وكذلك الاعتباد . والعبادة : الطاعة ، والتعبد التنسك . فمعنى ( ليعبدون ) ليذلوا ويخضعوا ويعبدوا . ( ما أريد منهم من رزق ) ( من ) صلة أي رزقا بل أنا الرزاق والمعطي . وقال ابن عباس وأبو الجوزاء : أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها . وقيل : المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم ( ان الله هو الرزاق ) وقرأ ابن محيصن وغيره ( الرازق ) . ( ذو القوة المتين ) أي الشديد القوي . وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والنخعي ( المتين ) بالجر على النعت للقوة . الباقون بالرفع على النعت ل ( الرزاق ) أو ( ذو ) من قوله : ( ذو القوة ) أو يكون خبر ابتداء محذوف ، أو يكون نعتا لاسم إن على الموضع ، أو خبرا بعد خبر . قال الفراء : كان

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 123 وص 64 ( 2 ) راجع ج 14 ص 80 ( 3 ) هو طرفة بن العبد ، والبيت من معلقته وصدره : * تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت * الوظيف عظم الساق . وقوله أتبعت وظيفا وظيفا أي أتبعت وظيف يدها وظيف رجلها ، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت . والمور : الطريق .