القرطبي
54
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ابن الفضل : احترزوا من كل شئ دون الله فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه . وقال أبو بكر الوراق : فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن . وقال الجنيد : الشيطان داع إلى الباطل ففروا إلى الله يمنعكم منه . وقال ذو النون المصري : ففروا من الجهل إلى العلم ، ومن الكفر إلى الشكر . وقال عمرو بن عثمان : فروا من أنفسكم إلى ربكم . وقال أيضا : فروا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم . وقال سهل بن عبد الله : فروا مما سوى الله إلى الله . ( إني لكم منه نذير مبين ) أي أنذركم عقابه على الكفر والمعصية . قوله تعالى : ( ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا للناس وهو النذير . وقيل : هو خطاب من الله للخلق . ( انى لكم منه ) أي من محمد وسيوفه ( نذير ) أي أنذركم بأسه وسيفه إن أشركتم بي ، قاله ابن عباس . قوله تعالى : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول ) هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون ، كذب من قبلهم وقالوا مثل قولهم . والكاف من ( كذلك ) يجوز أن تكون نصبا على تقدير أنذركم إنذارا كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم ، أو رفعا على تقدير الامر كذلك أي كالأول . والأول تخويف لمن عصاه من الموحدين ، والثاني لمن أشرك به من الملحدين . والتمام على قوله : ( كذلك ) عن يعقوب وغيره . قوله تعالى : ( أتواصوا به ) أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب . وتواطئوا عليه ، والألف للتوبيخ والتعجب . ( بل هم قوم طاغون ) أي لم يوص بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان ، وهو مجاوزة الحد في الكفر . قوله تعالى : ( فتول عنهم ) أي أعرض عنهم وأصفح عنهم ( فما أنت بملوم ) عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة ، ثم نسخ هذا بقوله تعالى : ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) وقيل : نسخ بآية السيف . والأول قول الضحاك ، لأنه قد أمر بالاقبال عليهم بالموعظة . وقال مجاهد : ( فتول عنهم ) فأعرض عنهم ( فما أنت بملوم ) أي ليس يلومك