القرطبي

36

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يهجعون ، أي ينامون قليلا من الليل ويصلون أكثره . قال عطاء : وهذا لما أمروا بقيام الليل . وكان أبو ذر ( 1 ) يحتجز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة ( قم الليل إلا قليلا ( 2 ) ) . الآية . وقيل : ليس ( ما ) صلة بل الوقف عند قوله : ( قليلا ) ثم يبتدئ ( من الليل ما يهجعون ) ف ( ما ) للنفي وهو نفى النوم عنهم البتة . قال الحسن : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله وربما نشطوا فجدوا إلى السحر . روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال : اختلفوا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم : ( كانوا قليلا ) معناه كان عددهم يسيرا ثم ابتدأ فقال : ( من الليل ما يهجعون ) على معنى من الليل يهجعون ، قال ابن الأنباري : وهذا فاسد ، لان الآية إنما تدل على قلة نومهم لا على قلة عددهم ، وبعد فلو ابتدأنا ( من الليل ما يهجعون ) على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح لهم ، لان الناس كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون ( ما ) جحدا . قلت : وعلى ما تأوله بعض الناس - وهو قول الضحاك - من أن عددهم كان يسيرا يكون الكلام متصلا بما قبل من قوله : ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) أي كان المحسنون قليلا ، ثم استأنف فقال : ( من الليل ما يهجعون ) وعلى التأويل الأول والثاني يكون ( كانوا قليلا من الليل ) خطابا مستأنفا بعد تمام ما تقدمه ويكون الوقف على ( ما يهجعون ) ، وكذلك إن جعلت ( قليلا ) خبر كان وترفع ( ما ) بقليل ، كأنه قال : كانوا قليلا من الليل هجوعهم . ف ( ما ) يجوز أن تكون نافية ، ويجوز أن تكون مع الفعل مصدرا ، ويجوز أن تكون رفعا على البدل من اسم كان ، التقدير كان هجوعهم قليلا من الليل ، وانتصاب قوله : ( قليلا ) إن قدرت ( ما ) زائدة مؤكدة ب ( يهجعون ) على تقدير كانوا وقتا قليلا أو هجوعا قليلا يهجعون ، وإن لم تقدر ( ما ) زائدة كان قوله : ( قليلا ) خبر كان ولم يجز نصبه ب ( يهجعون ) ، لأنه إذا قدر نصبه ب ( يهجعون ) مع تقدير ( ما ) مصدرا قدمت الصلة على الموصول . وقال أنس وقتادة في تأويل الآية : أي كانوا يصلون بين العشاءين : المغرب والعشاء . أبو العالية : كانوا لا ينامون بين العشاءين . وقاله ابن وهب . وقال مجاهد :

--> ( 1 ) في ز ، ل ، ن : ( أبو بكر ) . ( 2 ) راجع ج 19 ص 32