القرطبي

246

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إذ بعث الله فيهم ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين ، فذلك قوله تعالى : ( ربنا أتمم لنا نورنا ( 1 ) ) يقوله المؤمنون ، خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون ، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين : ( أنظرونا نقتبس من نوركم ) . ( قيل ارجعوا وراءكم ) أي قالت لهم الملائكة ( ارجعوا ) . وقيل : بل هو قول المؤمنين لهم ( أرجعوا وراءكم ) إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون من نورنا . فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور ( ضرب بينهم بسور ) . وقيل : أي هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا . ( بسور ) أي سور ، والباء صلة . قال الكسائي . والسور حاجز بين الجنة والنار . وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم . ( باطنه فيه الرحمة ) يعني ما يلي منه المؤمنين ( وظاهره من قبله العذاب ) يعني ما يلي المنافقين . قال كعب الأحبار : هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة . وقال عبد الله بن عمرو : إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد ( وظاهره من قبله العذاب ) يعني جهنم . ونحوه عن ابن عباس . وقال زياد بن أبي سوادة : قام عبادة ابن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى ، وقال : من ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم . وقال قتادة : هو حائط بين الجنة والنار ( باطنه فيه الرحمة ) يعني الجنة ( وظاهره من قبله العذاب ) يعني جهنم . وقال مجاهد : إنه حجاب كما في ( الأعراف ) وقد مضى القول فيه ( 1 ) . وقد قل : إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين ، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين . قوله تعالى : ( ينادونهم ) أي ينادي المنافقون المؤمنين ( ألم نكن معكم ) في الدنيا يعني نصلي مثل ما تصلون ، ونغزوا مثل ما تغزون ، ونفعل مثل ما تفعلون ( قالوا بلى ) أي يقول المؤمنون ( بلى ) قد كنتم معنا في الظاهر ( ولكنكم فتنتم أنفسكم ) أي استعملتموها في الفتنة . وقال مجاهد : أهلكتموها بالنفاق . وقيل : بالمعاصي ، قاله أبو سنان . وقيل : بالشهوات واللذات ،

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 211