القرطبي
231
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وفي حديث : ( إن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق يجمعون الروح شيئا فشيئا حتى ينتهى بها إلى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت ) . ( وأنتم حينئذ تنظرون ) أمري وسلطاني . وقيل : تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شئ . وقال ابن عباس : يريد من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تخرج نفسه . ثم قيل : هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ( 1 ) ) أي فهل ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحلقوم . وقيل : المعنى فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده ، مع حرصكم على امتداد عمره ، وحبكم لبقائه . وهذا ردا لقولهم : ( نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ( 2 ) ) . وقيل : هو خطاب لمن هو في النزع ، أي إن لم يك ما بك من الله فهلا حفظت على نفسك الروح . ( ونحن أقرب إليه منكم ) أي بالقدرة والعلم والرؤية . قال عامر بن عبد القيس : ما نظر إلى شئ إلا رأيت الله تعالى أقرب إلى منه . وقيل : أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه ( أقرب إليه منكم ) ( ولكن لا تبصرون ) أي لا ترونهم . قوله تعالى : ( فلولا ان كنتم غير مدينين ) أي فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم ، ومنه قوله تعالى : ( إنا لمدينون ) أي مجزيون محاسبون . وقد تقدم ( 3 ) . وقيل : غير مملوكين ولا مقهورين . قال الفراء وغيره : دنته ملكته ، وأنشد للحطيئة : لقد دنيت أمر بنيك حتى * تركتهم أدق من الطحين يعنى ملكت . ودانه أي أذله واستعبده ، يقال : دنته فدان . وقد مضى في ( الفاتحة ( 5 ) ) القول في هذا عند قوله تعالى : ( يوم الدين ) . ( ترجعونها ) ترجعون الروح إلى الجسد . ( ان كنتم صادقين ) أي ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين . و ( ترجعونها ) جواب لقوله تعالى : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) ولقوله : ( فلولا إن كنتم غير مدينين )
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 246 ( 2 ) راجع ج 16 ص 170 ( 3 ) راجع ج 15 ص 82 ( 4 ) ويروى سوست ، يخاطب أمه . ( 5 ) راجع ج 1 ص 143 .