القرطبي
214
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كان يتحنث في حراء ، أي يفعل ما يسقط عن نفسه الحنث وهو الذنب . ( وكانوا يقولون أئذا متنا ) هذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له ، فقال الله تعالى : ( قل ) لهم يا محمد ( ان الأولين ) من آبائكم ( والآخرين ) منكم ( لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) يريد يوم القيامة . ومعنى الكلام القسم ودخول اللام في قول تعالى : ( لمجموعون ) هو دليل القسم في المعنى ، أي إنكم لمجموعون قسما حقا خلاف قسمكم الباطل ( ثم انكم أيها الضالون ) عن الهدى ( المكذبون ) بالبعث ( لآكلون من شجر من زقوم ) وهو شجر كريه المنظر ، كريه الطعم ، وهي التي ذكرت في سورة ( والصافات ( 1 ) ) . ( فمالئون منها البطون ) أي من الشجرة ، لان المقصود من الشجر شجرة . ويجوز أن تكون ( من ) الأولى زائدة ، ويحوز أن يكون المفعول محذوفا كأنه قال : ( لآكلون من شجر من زقوم ) طعاما . وقوله : ( من زقوم ) صفة لشجر ، والصفة إذا قدرت الجار زائدا نصبت على المعنى ، أو جررت على اللفظ ، فإن قدرت المفعول محذوفا لم تكن الصفة إلا في موضع جر . قوله تعالى : ( فشاربون عليه ) أي على الزقوم أو على الاكل أو على الشجر ، لأنه يذكر ومؤنث . ( من الحميم ) وهو الماء المغلي الذي قد اشتد غليانه وهو صديد أهل النار . أي يورثهم حرما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد عطشا فيشربون ماء يظنون أنه يزيل العطش فيجدونه حميما مغلى . قوله تعالى : ( فشاربون شرب الهيم ) قراءة نافع وعاصم وحمزة ( شرب ) بضم الشين . الباقون بفتحها لغتان جيدتان ، تقول العرب : شربت شربا وشربا وشربا وشربا بضمتين . قال أبو زيد : سمعت العرب تقول بضم الشين وفتحها وكسرها ، والفتح هو المصدر الصحيح ، لان كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله فعل ، ألا ترى أنك ترده إلى المرة الواحدة ، فتقول : فعلة نحو شربة وبالضم الاسم . وقيل : إن المفتوح والاسم مصدران ، فالشرب كالأكل ، والشرب كالذكر ، والشرب بالكسر المشروب كالطحن المطحون . والهيم الإبل العطاش التي
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 85 .