القرطبي
199
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أصحاب التأخر . والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلنا من المتأخرين . والتكرير في ( ما أصحاب الميمنة ) . و ( ما أصحاب المشأمة ) للتفخيم والتعجيب ، كقوله : ( الحاقة ما الحاقة ) و ( القارعة ما القارعة ) كما يقال : زيد ما زيد ! وفي حديث أم زرع رضي الله ( 1 ) عنها : مالك وما مالك ! والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ولأصحاب المشأمة من العقاب . وقيل : ( أصحاب ) رفع بالابتداء والخبر ( ما أصحاب الميمنة ) كأنه قال : ( فأصحاب الميمنة ) ما هم ، المعنى : أي شئ هم . وقيل : يجوز أن تكون ( ما ) تأكيدا ، والمعنى فالذين يعطون ( 2 ) كتابهم بأيمانهم هم أصحاب التقدم وعلو المنزلة . قوله تعالى : ( والسابقون السابقون ) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ) ذكره المهدوي . وقال محمد بن كعب القرظي : إنهم الأنبياء . الحسن وقتادة : السابقون إلى الايمان من كل أمة . ونحوه عن عكرمة . محمد بن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين ، دليله قوله تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ( 3 ) ) . وقال مجاهد وغيره : هم السابقون إلى الجهاد ، وأول الناس رواحا إلى الصلاة . وقال علي رضي الله عنه : هم السابقون إلى الصلوات الخمس . الضحاك : إلى الجهاد . سعيد بن جبير : إلى التوبة وأعمال البر ، قال الله تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ( 4 ) ربكم ) ثم أثنى عليهم فقال : ( أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها ( 5 ) سابقون ) . وقيل : إنهم أربعة ، منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون ، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية ، وسابقان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، قاله ابن عباس ، حكاه الماوردي . وقال شميط بن العجلان : الناس ثلاثة ، فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه
--> ( 1 ) حديث أم زرع رواه مسلم في فضائل الصحابة عن عائشة رضي الله عنها أنه : جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ، فقالت إحداهن : زوجي مالك وما مالك ! مالك خير من ذلك . . . الخ . الحديث . ( 2 ) في ب ، ز ، ح ، س ، ل ، ه : ( يؤتون كتابهم ) . ( 3 ) راجع ج 8 ص 235 ( 4 ) راجع ج 4 ص 203 ( 5 ) راجع ج 12 ص 133