القرطبي

200

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب الشمال . وقيل : هم كل من سبق إلى شئ من أشياء الصلاح . ثم قيل : ( السابقون ) رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبر ( أولئك المقربون ) . وقال الزجاج : ( السابقون ) رفع بالابتداء والثاني خبره ، والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله ( أولئك المقربون ) من صفتهم . وقيل : إذا خرج رجل من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوء يعرفه به من دونه . قوله تعالى : ثلة من الأولين ( 13 ) وقليل من الآخرين ( 14 ) على سرر موضونة ( 15 ) متكئين عليها متقابلين ( 16 ) قوله تعالى : ( ثلة من الأولين ) أي جماعة من الأمم الماضية . ( وقليل من الآخرين ) أي ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم . قال الحسن : ثلة ممن قد مضى قبل هذه الأمة ، وقليل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا منهم بكرمك . وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان قبلهم ، لان الأنبياء المتقدمين كثروا فكثر السابقون إلى الايمان منهم ، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا . وقيل : لما نزل هذا شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : ( ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلث أهل الجنة بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني ) رواه أبو هريرة ، ذكره الماوردي وغيره . ومعناه ثابت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود . وكأنه أراد أنها منسوخة والأشبه أنها محكمة لأنها خبر ، ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين . قال الحسن : سابقو من مضي أكثر من سابقينا ، فلذلك قال : ( وقليل من الآخرين ) وقال في أصحاب اليمين وهم سوى السابقين : ( ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين ) ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأرجو