القرطبي
168
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : سنفرغ لكم أيه الثقلان ( 31 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 32 ) يا معشر الجن والإنس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان ( 33 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 34 ) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ( 35 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 36 ) قوله تعالى : ( سنفرغ لكم أيه الثقلان ) يقال : فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته . والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه ، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم ، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرغ لك أي أقصدك . وفرغ بمعنى قصد ، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا لجرير : ألان وقد فرغت إلى نمير * فهذا حين كنت لها عذابا يريد وقد قصدت . وقال أيضا ( 1 ) وأنشده النحاس : * فرغت إلى العبد المقيد في الحجل * وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة ، صاح الشيطان : يأهل الجباجب ( 2 ) ! هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا إزب العقبة ( 3 ) أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك ) أي أقصد إلى إبطال أمرك . وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما . وقيل : إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ، ثم قال : ( سنفرغ لكم ) مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه ، أي أقسم ذلك وأتفرغ منه . قاله الحسن ومقاتل وابن زيد . وقرأ عبد الله وأبي ( سنفرغ إليكم ) وقرأ الأعمش وإبراهيم
--> ( 1 ) أي جرير . ( 2 ) الجباجب : منازل منى ( 3 ) الإزب : ضبطه الحلبي في سيرته بكسر الهمزة واسكان الزاي ، وهو هنا اسم شيطان .