القرطبي

167

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والثواب والعقاب . وقيل : المراد بذلك الاخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا وهو الظاهر . والشأن في اللغة الخطب العظيم والجمع الشؤون والمراد بالشأن ها هنا الجمع كقوله تعالى : ( ثم يخرجكم ( 1 ) طفلا ) . وقال الكلبي : شانه سوق المقادير إلى المواقيت . وقال عمرو ابن ميمون في قوله تعالى : ( كل يوم هو في شأن ) من شأنه أن يميت حيا ، ويقر في الأرحام ما شاء ، ويعز ذليلا ، ويذل عزيزا . وسأل بعض الامراء وزيره عن قوله تعالى : ( كل يوم هو في شأن ) فلم يعرف معناها ، واستمهله إلى الغد فانصرف كئيبا إلى منزله فقال له غلام له أسود : ما شأنك ؟ فأخبره . فقال له : عد إلى الأمير فإني أفسرها له ، فدعاه فقال : أيها الأمير ! شأنه أن يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ، ويخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ويشفي سقيما ، ويسقم سليما ، ويبتلي معافى ، ويعافى مبتلى ، ويعز ذليلا ، ويذل عزيزا ، ويفقر غنيا ، ويغني فقيرا ، فقال له : فرجت عني فرج الله عنك ، ثم أمر بخلع ثياب الوزير وكساها الغلام ، فقال : يا مولاي ! هذا من شأن الله تعالى . وعن عبد الله ابن طاهر : أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له : أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي : قوله تعالى : ( فأصبح من النادمين ( 2 ) ) وقد صح أن الندم توبة . وقوله : ( كل يوم هو في شأن ) وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة . وقوله : ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ( 3 ) ) فما بال الأضعاف ؟ فقال الحسين : يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة ، ويكون توبة في هذه الأمة ، لان الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم . وقيل : إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله . وأما قوله : ( كل يوم هو في شأن ) فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها . وأما قوله : ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) فمعناه : ليس له إلا ما سعى عدلا ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا . فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه .

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 330 ( 2 ) راجع ج 6 ص 143 ( 3 ) راجع ج 17 ص