القرطبي

162

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( مرج البحرين يلتقيان . بينهما برزخ لا يبغيان ) ( مرج ) أي خلى وأرسل وأهمل ، يقال : مرج السلطان الناس إذا أهملهم . وأصل المرج الاهمال كما تمرج الدابة في المرعى . ويقال : مرج خلط . وقال الأخفش : ويقول قوم أمرج البحرين مثل مرج ، فعل وأفعل بمعنى . ( البحرين ) قال ابن عباس : بحر السماء وبحر الأرض ، وقاله مجاهد وسعيد بن جبير . ( يلتقيان ) في كل عام . وقيل : يلتقي طرفاهما . وقال الحسن وقتادة : بحر فارس والروم . وقال ابن جريج : إنه البحر المالح والأنهار العذبة . وقيل : بحر المشرق والمغرب يلتقي طرفاهم . وقيل : بحر اللؤلؤ والمرجان . ( بينهما برزخ ) أي حاجز فعلى القول الأول ما بين السماء والأرض ، قاله الضحاك . وعلى القول الثاني الأرض التي بينهما وهي الحجاز ، قاله الحسن وقتادة . وعلى غيرهما من الأقوال القدرة الإلهية على ما تقدم في ( الفرقان ( 1 ) ) . وفي الخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن الله تعالى كلم الناحية الغربية فقال : إني جاعل فيك عبادا لي يسبحوني ويكبروني ويهللوني ويمجدوني فكيف أنت لهم ؟ فقالت : أغرقهم يا رب . قال : إني أحملهم على يدي ، وأجعل بأسك في نواحيك . ثم كلم الناحية الشرقية فقال : إني جاعل فيك عبادا يسبحوني ويكبروني ويهللوني ويمجدوني فكيف أنت لهم ؟ قالت : أسبحك معهم إذا سبحوك ، وأكبرك معهم إذا كبروك ، وأهللك معهم إذا هللوك ، وأمجدك معهم إذا مجدوك ، فأثابها الله الحلية وجعل بينهما برزخا ، وتحول أحدهما ملحا أجاجا ، وبقي الآخر على حالته عذبا فراتا ) ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم أبو عبد الله قال : حدثنا صالح بن محمد ، حدثنا القاسم العمري عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة : ( لا يبغيان ) قال قتادة : لا يبغيان على الناس فيغرقانهم ، جعل بينهما وبين الناس يبسا ( 2 ) . وعنه أيضا ومجاهد : لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه . ابن زيد : المعنى ( لا يبغيان ) أن يلتقيا ، وتقدير الكلام : مرج البحرين يلتقيان ، لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا . وقيل : البرزخ ما بين الدنيا والآخرة ، أي بينهما مدة قدرها الله وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان ، فإذا أذن الله في انقضاء الدنيا صار البحران

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 58 . ( 2 ) في ب ، ح ، ز ، س ، ل ، ه‍ : ( اليبس ) .