القرطبي
155
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
على تقدير حذف حرف الجر كأنه قال : لئلا تطغوا ، كقوله تعالى : ( يبين الله لكم أن تضلوا ( 1 ) ) . ويجوز ألا يكون ل ( أن ) موضع من الاعراب فتكون بمعنى أي و ( تطغوا ) على هذا التقدير مجزوما ، كقوله تعالى : ( وانطلق الملا منهم أن ( 2 ) امشوا ) [ أي امشوا ( 3 ) ] . والطغيان مجاوزة الحد . فمن قال : الميزان العدل قال طغيانه الجور . ومن قال : إنه الميزان الذي يوزن به قال طغيانه البخس . قال ابن عباس : أي لا تخونوا من وزنتم له . وعنه أنه قال : يا معشر الموالي ! وليتم أمرين بهما هلك الناس : المكيال والميزان . ومن قال إنه الحكم قال : طغيانه التحريف . وقيل : فيه إضمار ، أي وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا فيه . ( وأقيموا الوزن بالقسط ) أي افعلوه مستقيما بالعدل . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل . وقال ابن ( 4 ) عيينة : الإقامة باليد والقسط بالقلب . وقال مجاهد : القسط العدل بالرومية . وقيل : هو كقولك أقام الصلاة أي أتى بها في وقتها ، وأقام الناس أسواقهم أي أتوها لوقتها . أي لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل . ( ولا تحسروا الميزان ) ولا تنقصوا الميزان ولا تبخسوا الكيل والوزن ، وهذا كقوله : ( ولا تنقصوا المكيال والميزان ( 5 ) ) . وقال قتادة في هذه الآية : اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل لك ، وأوف كما تحب أن يوفى لك ، فإن العدل صلاح الناس . وقيل : المعنى ولا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة فيكون ذلك حسرة عليكم . وكرر الميزان لحال رؤوس الآي . وقيل : التكرير للامر بإيفاء الوزن ورعاية العدل فيه . وقراءة العامة ( تخسروا ) بضم التاء وكسر السين . وقرأ بلال بن أبي بردة وأبان عن عثمان ( تخسروا ) بفتح التاء والسين وهما لغتان ، يقال : أخسرت الميزان وخسرته كأجبرته وجبرته . وقيل : ( تخسروا ) بفتح التاء والسين محمول على تقدير حذف حرف الجر ، والمعنى ولا تخسروا في الميزان . ( والأرض وضعها للأنام ) الأنام الناس ، عن ابن عباس . الحسن : الجن والإنس . الضحاك : كل ما دب على وجه الأرض ، وهذا عام . ( فيها فاكهة ) أي كل
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 29 . ( 2 ) راجع ج 15 ص 151 . ( 3 ) الزيادة من ب ، ح ، س ، ه . ( 4 ) في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي ( أبو عبيدة ) بدل ابن عيينة . ( 5 ) راجع ج 9 ص 85 .