القرطبي
149
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر ( 50 ) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر ( 51 ) وكل شئ فعلوه في الزبر ( 52 ) وكل صغير وكبير مستطر ( 53 ) ان المتقين في جنات ونهر ( 54 ) في مقعد صدق عند مليك مقتدر ( 55 ) قوله تعالى : ( وما أمرنا الا واحدة ) أي إلا مرة واحدة . ( كلمح بالبصر ) أي قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر . واللمح النظر بالعجلة ، يقال : لمح البرق ببصره . وفي الصحاح : لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف ، والاسم اللمحة ، ولمح البرق والنجم لمحا أي لمع . قوله تعالى : ( لقد أهلكنا أشياعكم ) أي أشباهكم في الكفر من الأمم الخالية . وقيل : أتباعكم وأعوانكم . ( فهل من مدكر ) أي من يتذكر . أي جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير أو شركان مكتوبا عليهم ، وهذا بيان قوله : ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) . ( في الزبر ) أي في اللوح المحفوظ . وقيل : في كتب الحفظة . وقيل : في أم الكتاب . ( وكل صغير وكبير مستطر ) أي كل ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ( 1 ) ليجازى به ، ومكتوب إذا فعله ، سطر يسطر سطرا كتب ، واستطر مثله . قوله تعالى : ( ان المتقين في جنات ونهر ) لما وصف الكفار وصف المؤمنين أيضا . ( ونهر ) يعني أنهار الماء والخمر والعسل واللبن ، قاله ابن جريج . ووحد لأنه رأس الآية ، ثم الواحد قد ينبئ عن الجميع . وقيل : في ( نهر ) في ضياء وسعة ، ومنه النهار لضيائه ، ومنه أنهرت الجرح ، قال الشاعر ( 2 ) : ملكت بها كفي فأنهرت فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها
--> ( 1 ) في ب ، ح ، س ، ه : ( قبل أن يفعلوه ليجازوا ومكتوب إذا فعلوه ) . ( 2 ) هو قيس بن الخطيم يصف طعنة . وملكت أي شددت وقويت .