القرطبي

131

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ( 9 ) فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر ( 10 ) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ( 11 ) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ( 12 ) وحملناه على ذات ألواح ودسر ( 13 ) تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر ( 14 ) ولقد تركناها آية فهل من مدكر ( 15 ) فكيف كان عذابي ونذر ( 16 ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( 17 ) قوله تعالى : ( كذبت قبلهم قوم نوح ) ذكر جملا من وقائع الأمم الماضية تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له . ( قبلهم ) أي قبل قومك . ( فكذبوا عبدنا ) يعني نوحا . الزمخشري : فإن قلت ما معنى قوله : ( فكذبوا ) بعد قوله : ( كذبت ) ؟ قلت : معناه كذبوا فكذبوا عبدنا ، أي كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب ، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب ، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا ، أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل . ( وقالوا مجنون ) أي هو مجنون ( وازدجر ) أي زجر عن دعوى النبوة بالسب والوعيد بالقتل . وقيل إنما قال : ( وازدجر ) بلفظ ما لم يسم فاعله لأنه رأس آية . ( فدعا ربه ) أي دعا عليهم حينئذ نوح وقال : رب ( أنى مغلوب ) أي غلبوني بتمردهم ( فانتصر ) أي فانتصر لي . وقيل : إن الأنبياء كانوا لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عز وجل لهم فيه . ( ففتحنا أبواب السماء ) أي فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة وفتحنا أبواب السماء ( بماء منهمر ) أي كثير ، قاله السدي . قال الشاعر : أعيني جودا بالدموع الهوامر * على خير باد من معد وحاضر وقيل : إنه المنصب المتدفق ، ومنه قول امرئ القيس يصف غيثا :