القرطبي
132
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
راح تمريه الصبا ثم انتحى * فيه شؤبوب جنوب منهمر ( 1 ) الهمر الصب ، وقد همر الماء والدمع يهمر همرا . وهمر أيضا إذا أكثر الكلام وأسرع . وهمر له من ماله أي أعطاه . قال ابن عباس : ففتحنا أبواب السماء بماء [ منهمر ( 2 ) ] من غير سحاب لم يقلع أربعين يوما . وقرأ ابن عامر ويعقوب : ( ففتحنا ) مشددة على التكثير . الباقون ( ففتحنا ) مخففا . ثم قيل : إنه فتح رتاجها وسعة مسالكها . وقيل : إنه المجرة وهي شرج السماء ومنها فتحت بماء منهمر ، قاله علي رضي الله عنه . ( فجرنا الأرض عيونا ) قال عبيد ابن عمير : أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون ، وإن عينا تأخرت فغضب عليها فجعل ماءها مرا أجاجا إلى يوم القيامة . ( فالتقى الماء ) أي ماء السماء وماء الأرض ( على أمر قد قدر ) أي على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر ، حكاه ابن قتيبة . أي كان ماء السماء والأرض سواء . وقيل : ( قدر ) بمعنى قضي عليهم . قال قتادة : قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا . وقال محمد بن كعب : كانت الأقوات قبل الأجساد ، وكان القدر قبل البلاء ، وتلا هذه الآية . وقال : ( التقى الماء ) والالتقاء إنما يكون في اثنين فصاعدا ، لأن الماء يكون جمعا وواحدا . وقيل : لأنهما لما اجتمعا صارا ماء واحدا . وقرأ الجحدري : ( فالتقى الماءان ) . وقرأ الحسن : ( فالتقى الماوان ) وهما خلاف المرسوم . القشيري : وفي بعض المصاحف ( فالتقى الماوان ) وهي لغة طئ . وقيل : كان ماء السماء باردا مثل الثلج وماء الأرض حارا مثل الحميم . ( وحملناه على ذات ألواح ) أي على سفينة ذات ألواح . ( ودسر ) قال قتادة : يعني المسامير التي دسرت بها السفينة أي شدت ، وقاله القرظي وابن زيد وابن جبير ، ورواه الوالبي عن ابن عباس . وقال الحسن وشهر بن حوشب وعكرمة : هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج سميت بذلك لأنها تدسر الماء أي تدفعه ، والدسر الدفع والمخر ، ورواه العوفي عن ابن عباس قال : الدسر كلكل ( 3 ) السفينة .
--> ( 1 ) راح : أي عاد في الرواح ، كأن المطر كان في أول النهار ثم عاد في آخره . وتمريه : تستدره ، وأصله من مري الضرع وهو مسحه ليدر . والشؤبوب : الدفعة من المطر . وخص الصبا لأنهم يمطرون بها . ( 2 ) الزيادة من ط . ( 3 ) الكلكل : الصدر .