القرطبي
116
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ) وقد تقدم في آخر ( الأعراف ( 1 ) ) . ولقد أحسن من قال : ولا تفكرن ( 2 ) في ذي العلا عز وجهه * فإنك تردى إن فعلت وتخذل ودونك مصنوعاته فاعتبر بها * وقل مثل ما قال الخليل المبجل قوله تعالى : وانه هو أضحك وأبكى ( 43 ) وأنه هو أمات وأحيا ( 44 ) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ( 45 ) من نطفة إذا تمنى ( 46 ) قوله تعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى ) ذهبت الوسائط وبقيت الحقائق لله سبحانه وتعال فلا فاعل إلا هو ، وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : لا والله ما قال رسول الله قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ، ولكنه قال : ( إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله لهو أضحك وأبكى وما تزر وازرة وزر أخرى ) . وعنها قالت : مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من أصحابه وهم يضحكون ، فقال : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) فنزل عليه جبريل فقال : يا محمد ! إن الله يقول لك : ( وأنه هو أضحك وأبكى ) . فرجع إليهم فقال : ( ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ايت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول : ( هو أضحك وأبكى ) أي قضى أسباب الضحك والبكاء . وقال عطاء ابن أبي مسلم : يعني أفرح وأحزن ، لان الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء . وقيل لعمر : هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون ؟ قال : نعم ! والايمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي . وقد تقدم هذا المعنى في ( النمل ( 3 ) ) و ( براءة ( 4 ) ) . قال الحسن :
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 348 . ( 2 ) من أفكر لغة في فكر بالتضعيف . ( 3 ) راجع ج 13 ص 175 . ( 4 ) راجع ج 8 ص 217 .