القرطبي
278
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) . وفى الترمذي عن عبد الله قال : جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال : " وما قدروا الله حق قدره " . قال : هذا حديث حسن صحيح . وفى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض " . وفى الترمذي عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : " والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه " قالت : قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال : " على جسر جهنم " في رواية " على الصراط يا عائشة " قال : حديث حسن صحيح ، وقوله : " والأرض جميعا قبضته " ويقبض الله الأرض " عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته ، يقال ما فلان إلا في قبضتي ، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي ، والناس يقولون الأشياء في قبضته يريدون في ملكه وقدرته ، وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشئ وإذهابه فقوله جل وعز : " والأرض جميعا قبضته " يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة ، والمراد بالأرض الأرضون السبع ، يشهد لذلك شاهدان قوله : " والأرض جميعا " ولأن الموضع موضع تفخيم وهو مقتض للمبالغة ، وقوله : " والسماوات مطويات بيمينه " ليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب ، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب ، يقال : قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره ، وانطوى عنا دهر بمعنى المضي والذهاب ، واليمين في كلام العرب قد تون بمعنى القدرة والملك ، ومنه قوله تعالى : " أو ما ملكت أيمانكم " يريد بن الملك ، وقال : " لاخذنا منه باليمين " أي بالقوة والقدرة أي لاخذنا قوته وقدرته ، قال الفراء والمبرد : اليمين القوة والقدرة ، وأنشدا : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ( 1 ) .
--> ( 1 ) قائله الحطيئة ، وقيل هو للشماخ