القرطبي

276

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : قل أفغير الله تأمروني أعبد ) وذلك حين دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا هو دين آبائك ، و " غير " نصب ب‍ " أعبده " على تقدير أعبد غير الله فيما تأمرونني ، ويجوز أن ينتصب ب‍ " تأمروني " على حذف حرف الجز ، التقدير : أتأمروني بغير الله أن أعبد ، لان أن مقدرة وأن والفعل مصدر ، وهي بدل من غير ، التقدير : أتأمروني بعبادة غير الله ، وقرأ نافع " تأمروني " بنون واحدة مخففة وفتح الياء ، وقرأ ابن عامر " تأمرونني ، بنونين مخففتين على الأصل . الباقون بنون واحدة مشددة على الادغام ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون واحدة ، وقرأ نافع على حذف النون الثانية وإنما كانت المحذوفة الثانية ، لان التكرير والتثقيل يقع بها ، وأيضا حذف الأولى لا يجوز ، لأنها دلالة الرفع ، وقد مضى في " الانعام " ( 1 ) بيانه عند قوله تعالى : " أتحاجوني " . " أعبد " أي أن أعبد فلما حذف " أن " رفع ، قاله الكسائي ، ومنه قول الشاعر : * إلا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ( 2 ) * والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ " أعبد " بالنصب . قوله تعالى : ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ( 65 ) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ( 66 ) . قوله تعالى : ( ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ) قيل : إن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والقدير : لقد أوحى إليك لئن أشركت وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك ، وقيل : هو على بابه ، قال مقاتل : أي أوحى إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف ، ثم قال : " لئن أشركت " يا محمد ( ليحبطن عملك ) وهو خطاب للنبي .

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 29 طبعة أولى أو ثانية . ( 2 ) البيت من معلقة طرفة وتمامه : * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي *