القرطبي
204
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : " ثم أناب " أي رجع إلى الله وتاب . وقد تقدم . قوله تعالى : " قال رب اغفر لي " أي أغفر لي ذنبي " وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي " يقال : كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى ، وبغضه لها ، وحقارتها لديه ؟ . فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه ، وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده ، والمحافظة على رسومه ، وتعظيم شعائره ، وظهور عبادته ، ولزوم طاعته ، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه ، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال : " إني أعلم ما لا تعلمون " [ البقرة : 30 ] وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا ، لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها ، وإنما سأل مملكتها لله ، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله ، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك ، فأجيب نوح فأهلك من عليها ، وأعطى سليمان المملكة . وقد قيل : أن ذلك كان بأمر من الله جل وعز على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده ، أو أراد أن يقول ملكا عظيما فقال : " لا ينبغي لأحد من بعدي " وهذا فيه نظر . والأول أصح . ثم قال له : " هذا عطاؤنا فأمنن أو أمسك بغير حساب " قال الحسن : ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمه غير سليمان بن داود عليه السلام فإنه قال : " هذا عطاؤنا " الآية . قلت : وهذا يرد ما روي في الخبر : إن آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود عليه السلام لمكان ملكه في الدنيا . وفى بعض الأخبار : يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا ، ذكره صاحب القوت وهو حديث لا أصل له ، لأنه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه لأنه من طريق المنة ، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولا الجنة ، وهو سبحانه يقول : " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " . وفي الصحيح : " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته " الحديث . وقد تقدم فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية ، فلذلك لم تكن عليه تبعة . ومعنى قوله : " لا ينبغي لأحد من بعدي " أي أن يسأله . فكأنه سأل منع السؤال بعده ، حتى لا يتعلق به أمل أحد ، ولم يسأل منع الإجابة . وقيل : إن سؤاله ملكا لا ينبغي